96 -قوله تعالى: {وّلَتَجِدَنَّهُم} دخلت اللام والنون لأن القسم مضمر تقديره: والله لتجدنهم، فهو جواب القسم، فأكّد باللام والنون، وهذه النون إذا دخلت عَلَى (يفعل) فُتِحَ لدخولها، وبني الفعل معها على الفتح نحو: ليفعلنّ، وحذْفُ النون التي تَثبُت في نحو يفعلان، في الرفع مع النون الشديدة، كحذف الضمة في (ليفعلن) .
ومَعناه: ولَتجدنّ اليهود، يعني: علماءهم، وهؤلاء الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - عن عنَادٍ في حالِ دعائك إياهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة؛ لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار إذا ماتوا في أمر محمدعليه السلام. والحرص: شدّة الطَلَب، يقال: رجل حريصٌ، وقوم حِرَاص، ومِنْهُ:
عليّ حِرَاصًا لَو يُسِرُّون مَقتَلي
ومنه يقال: حَرَص القَصَّارُ الثوبَ، إذا ألحَّ في الدقِّ إلحاح الحَريص. والحَارِصَة: شَجّةٌ تشقّ الجلد قليلًا، كما يحرص القصَّار الثوب عند الدقّ.
وقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} قال الفرّاء، والزجَّاج: أي، وأحرص من الذين أشركوا، وهذا كما يقال: هو أسخى الناس ومن هَرِم، أي: وأسخى من هَرِم.
وحقيقة الإشراك: عبادة غير الله مع الله، وهو أن يجعَل عبادته مشتركةً بين الله وغيره، ثم يسمّى كلُّ كافر بالله مُشرِكًا من عظم ذنبه حتى ساوى به عظم ذنب المشرك في عبادة الله.
وقال بعضهم: تم الكلامُ عند قوله: {عَلَى حَيَاةٍ} ، ثم ابتدأ، فقال: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} ، أي: من يود، فأضمر الموصول بيَوَدّ كقول ذي الرُمَّة:
فظلوا وَمنهم دمعُه سابقٌ له ... وآخرُ تُذري دمعَه العينُ بالهَملِ
أراد: ومنهم من دمعه سابق. وهذا الوجه يضعف من جهتين:
إحداهما: أن المراد بالآية بيان حرص اليهود على الحياة، فلا يحسن قطع الكلام عند قوله: {عَلَى حَيَاةٍ} ثم الإخبار عن غيرهم بحب التعمير.