وقوله تعالى: {فَتَمَنَّوُا المَوْتَ} معنى التمني: هو قولٌ يقدر فيه معنًى يحبه الطبع، وذكرنا ما فيه عند قوله: {إِلَّا أَمَانِيَّ} وَيُدَلّ على التمني بأداةٍ تميِّزُه من الإخبار، كقولك: ليت الله غفر لي، (وليت) أصل في التمني، وقد يقام مقامها الاستفهام، كقوله: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ} [الأعراف: 53] ، وقولك: ألا ماءَ فأشربَه.
95 -قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوهُ أَبَدًا} وذلك أنهم كفروا، وعرفوا أنهم كَفَرة، ولا نصيب لهم في الجنة؛ لأنهم تعمدوا كتمانَ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبَه.
وقوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بما قدموه وعملوه، فأضاف ذلك إلى اليد، لأن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فيها عمل، فيقال: هذا ما اجترحته يدك.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فيه معنى التهديد، أي: عليم بمجازاتهم، وهذا جرى على مستعمل الكلام يقول الرجل لمن أتى إليه مُنْكَرًا: أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله: أنا أعلم ما أعاملك به، وإلا فالله عليم بالظالمين وغيرهم.
وفي هذه الآية أبيَن دلالة عَلَى صدق نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن الله أنهم لا يتمنون الموت، وقالي:"لو تمنوا الموت لغصَّ كلُّ إنسانٍ بريقه، وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاّ مَاتَ"، ثمَّ لم يَرَوا مَعَ حرصهم على تكذيبه أن أحدا أتاه، وقال: يا محمد، أنا أشتهي الموت وأتمناه؛ لأنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لَم يَبقَ منهم صغير ولا كبير إلّا مات، فكان إحجامهم عن ذكر الموت دليلًا على عنادهم الحق وتكذيب من يعرفون صِدقه، ويعلمون صحَّة نبوَّته - صلى الله عليه وسلم - .