ويزعمون أنها من عند الله وليست كذلك، ومن أجل كسب يسير كهذه الدنيا الفانية وما فيها أو بعض ما فيها، فويل لهم مرتين: مرة على ما كتبوا ومرة على ما كسبوه من مال حرام، والآية وإن جاءت في سياق الحديث عن بني إسرائيل فإنها عامة.
قال عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى:
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ قال نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
ثم قال تعالى:
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مجيء هذه الآية بعد ما قبلها بمثابة البيان لأسباب هذه المواقف الخائنة.
إن جرأة اليهود على التحريف والتبديل، وعلى الكيد والمكر والحسد والخداع ومعاندة الأنبياء، وغير ذلك من صفاتهم ومواقفهم، إن ذلك كله سببه هذا الاعتقاد الفاسد أن مدة مكثهم في النار أياما معدودة، ثم إن مجيء الآية بعد الآية التي ذكرت كتاباتهم المختلقة، ونسبتهم إياها إلى الله يوحي كذلك بأن هذا مما اختلقوه وقالوا هو من عند الله، وفي الوقت نفسه فإن الآية تسجل واحدة من الأماني الكاذبة التي ربي عليها عامة اليهود. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فهذه إحدى الأماني المظنونة، وقد ردت الآية على زعمهم في هذا الموضوع. وعلينا أن ندرك هنا بعمق كيف أن تصور الإنسان عن اليوم الآخر يؤثر تأثيرا كاملا في مواقفه فإذا كانت هذه المواقف اليهودية الفظيعة أثرا من آثار هذه العقيدة التي رأيناها وذلك شيء منصوص عليه في سورة آل عمران:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ.