يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ بَلَغَنِي [1] ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ وَمَلأَ [2] خُفَّهُ [3] فَأَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقي فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ"
الهاء: هو ارتفاع النفس من الإعياء. وقال ابن التين: لهث الكلب: أخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر، ولهث الرجل إذا أعيى، ويقال: إذا بحث بيديه ورجليه (يأكل الثرى) أي يكدم بفمه الأرض الندية، وهي إما صفة أو حال، وليس بمفعول ثان لرأى [4] (من العطش، فقال الرجل) في نفسه: (لقد بلغ هذا الكلب) فاعل لقوله: بلغ (من العطش مثل الذي كان بلغني) بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف، أي بلغ هذا مبلغًا مثل الذي بلغ بي، وضبط الحافظ الدمياطي بخطه بضم مثل، وتوجيهه: أن يكون لفظ"هذا الكلب"مفعول بلغ، وقوله:"مثل الذي بلغ بي"فاعله، فارتفاعه حينئذ على الفاعلية، كذا في"الفتح"و"العيني" [5] .
(فنزل البئر وملأ خفه) بالماء (فأمسكه) أي الخف الذي في الماء (بفيه) أي: بفمه، وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يشعر بأن الصعود منها كان عسرًا (حتى رقي) بفتح الراء وكسر القاف: كصعد وزنًا ومعنى (فسقى الكلب، فشكر الله له) أي أثنى عليه، أو قبل عمله، أو جازاه بفعله، وقال القرطبي: معنى قوله: فشكر الله له: أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فغفر له) .
(قالوا) أي الصحابة، من جملتهم سراقة بن مالك بن جُعْشم، روى حديثه ابن ماجة: (يا رسول الله، وإن) بتقدير الاستفهام المؤكد للتعجب معطوف على شيء محذوف، تقديره: آلأمر كما ذكرت (لنا في البهائم) أي في سقيها
(1) في نسخة:"بلغ بي".
(2) في نسخة:"فملأ".
(3) زاد في نسخة:"ماءً".
(4) "فتح الباري" (5/ 41) ، و"عمدة القاري" (9/ 75) .
(5) ولفظ:"رأى"ورد في رواية البخاري (173) .