فَيَخْطُبُ قَائِمًا،
المنبر (فيخطب قائمًا) قال الشوكاني [1] : واختلف في الجلوس بين الخطبتين، فذهب الشافعي والإمام يحيى إلى وجوبه. وذهب الجمهور إلى أنه غير واجب، استدل من أوجب ذلك بفعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد قدمنا الجواب عن مثل هذا الاستدلال، وأنه غير صالح لإثبات الوجوب.
وقد اختلف في وجوب الخطبتين، فذهب إلى وجوبهما العترة والشافعي [2] ، وحكى العراقي في شرح"الترمذي"عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل - في رواية: أن الواجب خطبة واحدة، قال: وإليه ذهب جمهور العلماء. ولم يستدل من قال بالوجوب إلَّا بمجرد الفعل مع قوله:"صلُّوا كما رأيتموني"الحديث. وقد عرفت أن ذلك لا ينتهض لإثبات الوجوب، انتهى.
قلت: استدل [3] الحنفية على وجوب الخطبة وكونها شرطًا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [4] والخطبة ذكر الله، فتدخل في الأمر بالسعي لها من حيث أنه ذكر الله، أو المراد بالذكر الخطبة، وقد أمر بالسعي إلى الخطبة، فدل على وجوبها وكونها شرطًا لانعقاد الجمعة.
والثاني: ما روي عن عمر وعائشة -رضي الله تعالى عنهما- أنهما قالا:
(1) "نيل الأوطار" (2/ 556) .
(2) وأحمد في المشهور، كما في حاشية"نيل المآرب" (1/ 265) ، و"المغني" (3/ 170) . (ش) .
(3) يشكل على هذا الاستدلال أن مقتضى الاختلاف السابق الاستدلال على وجوب وحدة الخطبة، وكلام"البدائع"حجة لإيجاب مطلقها لا وحدتها، (ش) .
(4) سورة الجمعة: الآية 9.