قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا عُنِيَ بِالْكِتَابِ: التَّوْرَاةُ، وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْأَلْفُ وَاللَّامُ لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ كِتَابٌ مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ. وَمَعْنَاهُ: وَمِنْهُمْ فَرِيقٌ لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُونَهُ وَيَدَّعُونَ الْإِقْرَارَ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ حُدُودِهِ الَّتِي بَيَّنَهَا فِيهِ
{إِلَّا أَمَانِيَّ}
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {إِلَّا أَمَانِيَّ} يَقُولُ: إِلَّا قَوْلًا يَقُولُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا"
وعَنْ مُجَاهِدٍ:" {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} إِلَّا كَذِبًا"
وَقَالَ آخَرُونَ: يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ""
وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا أَمَانِيَّ} : تَمَنَّوْا فَقَالُوا: نَحْنُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَيْسُوا مِنْهُمْ"
وَأَوْلَى مَا رُوِّينَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {إِلَّا أَمَانِيَّ} بِالْحَقِّ وَأَشْبَهُهُ بِالصَّوَابِ، الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الضَّحَّاكِ، وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ يَتَخَرَّصُونَ الْكَذِبَ وَيَتَقَوَّلُونَ الْأَبَاطِيلَ كَذِبًا وَزُورًا.
وَالتَّمَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، هُوَ تَخَلُّقُ الْكَذِبِ وَتَخَرُّصُهُ وَافْتِعَالُهُ، يُقَالُ مِنْهُ: تَمَنَّيْتُ
كَذَا: إِذَا افْتَعَلْتُهُ وَتَخَرَّصْتُهُ. وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَغَنَّيْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ. يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَا تَمَنَّيْتُ: مَا تَخَرَّصْتُ الْبَاطِلَ وَلَا اخْتَلَقْتُ الْكَذِبَ وَالْإِفْكَ.