ما قلناه إن شاء الله تعالى، وذلك أنه قد اختلفت الرواية فيه، فروى شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن جابر:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعاره ظهر الجمل إلى المدينة". ولفظ الرواية قال:"بعت النبي - صلى الله عليه وسلم - جملًا، فأفقرني ظهره إلى المدينة".
قال الشيخ: والإفقار إنما هو من كلام العرب إعارة الظهر لركوب، فدل هذا على أنه لم يكن عقد بشرط في نفس البيع، ويحتمل أن يكون ذلك عِدَة منه - صلى الله عليه وسلم -، والعقد إذا تجرد عن الشروط لم يضره ما يتعقبه بعد ذلك من هذه الأمور.
ويشبه أن يكون إنما رواه بنفس الشرط [1] ؛ لأنه إذا وعده الإفقار والإعارة كان ذلك منه أمرًا لا شك في الوفاء به، فحل محل الشروط على هذا المعنى، على أن قصة جابر- إذا تأملتها - علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستوف فيها أحكام البيوع: من القبض، والتسليم، وغيرهما، وإنما أراد أن ينفعه، ويهب له، فاتخذ بيع الجمل مدفعة [2] إلى ذلك، ومن أجل ذلك جرى الأمر فيها على المساهلة، ألا ترى أنه قد دفع إليه ثمنه الذي سماه، ورد إليه الجمل؟ يدل على ذلك قوله:"أتراني إنما ماكستك لأخذ جملك؟".
وقد اختلف الناس فيمن اشترى دابةً واشترط فيها حُمْلانًا للبائع، فقال أصحاب الرأي: البيع باطل، وإليه ذهب الشافعي، وقال الأوزاعي وأحمد [3] وإسحاق: البيع جائز، والشرط ثابت على ظاهر حديث جابر بن عبد الله، وفرق مالك بن أنس بين المكان القريب والبعيد، فقال: إن اشترط مكانًا قريبًا فهو جائز، وإن كان بعيدًا فهو مكروه.
(1) كذا في الأصل، وفي"المعالم":"إنما رواه من رواه بلفظ الشرط".
(2) كذا في الأصل، وفي"المعالم":"ذريعة".
(3) وفرق أحمد بن حنبل بين شرط واحد وشرطين، كما تقدم في الحديث السابق، وأجاد العيني الكلام على الشروط. [انظر:"عمدة القاري" (8/ 319) ] . (ش) .