وَمَهْرُ الكلبِ خَبِيثٌ,
وقد ذهب بعض [1] أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان حرًا فهو محرم، واحتج بهذا الحديث وبقوله:"إنه خبيث"، قال: وإن كان عبدًا فيعلفه ناضحه، وينفقه على دوابه. قال الشيخ: وهذا القائل لم يذهب في التفريق بينهما مذهبًا تبين له [2] معنى صحيح، وكل شيء حل من المال للعبيد حل للأحرار، والعبد لا ملك له، ويده يد لسيده، وكسبه كسبه، وإنما وجه الحديث ما ذكرته لك، وأن الخبيث معناه الدنيء، كقوله سبحانه: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [3] أي: الدون.
(وثمن الكلب خبيث) قال القاري [4] : استدل به الشافعي - رحمه الله - على أن بيع الكلب معلمًا كان أو غيره غير جائز، وجوَّزه أبو حنيفة، وأجاب عن الحديث بأن لفظ الخبيث لا يدل على الحرمة لما في الخبر:"وكسب الحجام خبيث"مع أنه ليس بحرام اتفاقًا، فقوله:"خبيث"أي ليس بطيب، فهو مكروه وليس بحرام [5] ، وإطلاق الحديث عليه باعتبار حصوله بأدنى المكاسب.
(1) وفي"شرح الشمائل" (2/ 177) : قال أحمد: يجوز أجره للعبد لا للحر، وجمع ابن العربي: بأن النهي على فعل مجهول (2/ 177) ، والإباحة لفعل معلوم، وذكر ابن الجوزي: أن أجر الحجّام إنما كره؛ لأنه من الأشياء التي يجب للمسلم على المسلم إعانته عند الاحتياج، فما كان ينبغي أن يأخذ على ذلك أجرًا، انتهى.
وحكى الشوكاني (3/ 676) تحريم كسب الحجام مطلقًا عن بعض أصحاب الحديث، وعن الجمهور الجواز، انتهى.
قلت: وسيأتي التفريق بين الحر والعبد. (ش) .
(2) كذا في الأصل، وفي"المعالم":"ليس له".
(3) سورة البقرة: الآية 267.
(4) "مرقاة المفاتيح" (6/ 16) .
(5) وقال أبو الطيب في"شرح الترمذي": إنه محمول على غير المأذون، أو على زمن يؤمر بقتلها، وبسطه، وصرح في"الهداية" (3/ 238) جوازه مطلقًا، وحكي عن أبي يوسف عدم جواز العقور، وكذا في"الشامي" (9/ 72) ، وسيأتي المذاهب في"باب أثمان الكلب". (ش) .