قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخًا للأوّل لجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ: { وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط } [ النساء: 43 والمائدة: 6 ] الآية ناسخًا لقوله عزّ وجلّ: { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } [ المائدة: 6 ] الآية ولجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } [ النساء: 92 ، والمجادلة: 4 ] ناسخًا لقوله عزّ وجلّ: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } [ النساء: 92 ] وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } لم يتبيّن تأخّر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد ، بل وردا معًا.
ولا يجوز أن يُرد الناسخ والمنسوخ معًا جميعًا في حالة واحدة.
قال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له: إن آية الديّن منسوخة قال: لا والله إن آية الديْن محكمة ليس فيها نسخ قال: الإشهاد إنما جعل للطمأنينة ، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الديْن طُرقًا ، منها الكتاب ، ومنها الرهن ، ومنها الإشهاد.
ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب.
فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد.
وما زال الناس يتبايعون حضرًا وسفرًا وبرًا وبحرًا وسهلًا وجبلًا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير ؛ ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه.
قلت: هذا كله استدلال حسن ؛ وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد ، وهو ما خرّجه الدارقطنيّ عن طارق بن عبد الله المحاربيّ قال:"أقبلنا في ركب من الرَّبَذَةِ وجنوب الربَذة حتى نزلنا قريبًا من المدينة ومعنا ظعينة لنا."
فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسَلّم فرددنا عليه ، فقال: مِن أيْن ( أقبل ) القوم ؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة.