وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه ، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله: وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم ، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة ، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل ، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه ، وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الآية سيدة آي القرآن"وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال ، ونفي النقص وإثبات الكمال ، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك ، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم ، وقد احتوت على الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحًا ، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة ، وعلى السمع والبصر من لازم {له ما في السماوات وما في الأرض} ومن لازم {الحي} لأن المراد الحياة الكاملة ؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين ، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله ، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولًا في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى ، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخرًا ، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان ، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 498 ـ 500}
قال أبو حيان: