الحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن الوطن وقد سماه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحد الجهادين مع أنه من أعظم مقاصد البيت المذكورة في هذه الآيات مناقبه المتلوة مآثره المنصوبة شعائره التي هي في الحقيقة دعائمه من الاعتكاف والصلاة والطواف المشار إلى حجه واعتماره بقوله: {مثابة للناس وأمنًا} [البقرة: 125] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح إذ كان لم يبق من مفاخره العظمى غيره وضم إليه العمرة الحج الأصغر لمشاركتها له في إظهار فخاره وإعلاء مناره فقال: {إن الصفا والمروة} فهو كالتعليل لاستحقاق البيت لأن يكون قبلة ، وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة ، اسم الصفا من الصفوة وهو ما يخلص من الكدر ، واسم المروة من المرو وهو ما تحدد من الحجارة - قاله الحرالي. وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة الإقبال عليهما على ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما أنزل على هذا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الكتاب والحكمة الباقيين إلى آخر الدهر شفاء للقلوب وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليمًا بصفة العلم كما كان الإقبال على السعي بينهما تسليمًا لأمر الله مفيدًا لحياة أبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء زمزم الباقي إلى قيام الساعة طعام طعم وشفاء سقم ، وفي ذلك مع تقديم الصفا إشارة للبصراء من أرباب القلوب إلى أن الصابر لله المبشر فيما قبلها ينبغي أن يكون قلبه جامعًا بين الصلابة والصفا ، فيكون بصلابته الحجرية مانعًا من القواطع الشيطانية ، وبرقته الزجاجية جامعًا للوامع الرحمانية ، بعيدًا عن القلب المائي بصلابته ، وعن الحجري بصفائه واستنارته. ومن أعظم المناسبات أيضًا كون سبيل الحج إذ ذاك كان ممنوعًا بأهل الحرب ، فكأنها علة لما قبلها وكأنه قيل: ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا البيت الذي أمرتم باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله