الرابع: أن الإِفاضة الثانيةَ هي من جمعٍ إلى منى ، والمخاطبون بها جميعُ الناس ، وبهذا قال جماعةٌ كالضحاك ورجَّحه الطبري ، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ القرآنِ وعلى هذا فـ"ثم"على بابها ، قال الزمخشري: "فإنْ قلت: كيف موقعُ"ثم"؟ قلت: نحوُ موقِعها في قولك: "أحْسِنَ إلى الناس ثم لا تُحْسِن إلى غير كريم" تأتي بـ"ثم"لتفاوتِ ما بين الإِحسانِ إلى الكريمِ والإِحسان إلى غيرِه وبُعْدِ ما بينهما ، فكذلك حين أمرَهم بالذكر عند الإِفاضةِ من عرفات قال: "ثم أفيضوا"لتفاوتِ ما بين الإِفاضَتَيْنِ وأنَّ إحداهما صوابٌ والثانيةَ خطأٌ". قال الشيخ: "وليست الآية نظيرَ المثال الذي مثَّله ، وحاصلُ ما ذَكَرَ أن"ثم"تَسْلُب الترتيبَ وأنَّ لها معنىً غيرَه سَمَّاه بالتفاوتِ والبُعْدِ لما بعدها مِمَّا قبلها ، ولم يَذْكُر في الآية إفاضة الخطأ حتى تجيء"ثم"لتفاوتِ ما بينها ، ولا نعلمُ أحدًا سبقه إلى إثبات هذا المعنى لـ"ثم". وهذا الذي ناقشَ الشيخُ به الزمخشري تحاملٌ عليه ، فإنه يعني بالتفاوتِ والبُعْد التراخيَ الواقعَ بين الرتبتين. وسيأتي له نظائرُ ، وبمثلِ هذه الأشياءِ لا يُرَدُّ كَلامُ مثلِ هذا الرجل. أ هـ {الدر المصون حـ 2 صـ 334 ـ 335} "
وقال ابن عرفة: وعادتهم يقولون: إنّها {ثم} للتراخي والمهلة فهي على بابها ، والمهلة فيها بين الذي يليها فقط والذي يليها هو معطوف على ما قبله بالواو والمشهور في الواو أنّها للجمع من غير ترتيب ولا مهلة ، فتكون الجملة الموالية لـ"ثم"مراد بها التقديم. والتقدير:"فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا هَدَاكُمْ""ثم أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ"و {واذْكُرُا اللّه عِند المَشْعَرِ الحَرَامِ} .
قال ابن عرفة: وهذا معنى سادس لم يذكروه ، وهو الذي (ينبغي) حمل الآية عليه. والله أعلم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 254}
قال ابن عرفة: