قال ابن عاشور:
{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابها: من آيات القرآن ، ومن صحاح الأخبار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فكان رأي فريق منهم الإيمان بها ، على إبهامها وإجمالها ، وتفويض العلم بكنه المراد منها إلى الله تعالى ، وهذه طريقة سلف علمائنا ، قبل ظهور شكوك الملحدين أو المتعلمين ، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم ، ويعبر عنها بطريقة السلف ، ويقولون: طريقة السلف أسلم ، أي أشد سلامة لهم من أن يتأولوا تأويلات لا يدرى مدى ما تفضي إليه من أمور لا تليق بجلال الله تعالى ولا تتسق مع ما شرعه للناس من الشرائع ، مع ما رأوا من اقتناع أهل عصرهم بطريقتهم ، وانصرافهم عن التعمق في طلب التأويل.
وكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعان من طرائق استعمال الكلام العربي البليغ من مجاز ، واستعارة ، وتمثيل ، مع وجود الداعي إلى التأويل ، وهو تعطش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين أدلة القرآن والسنة ، ويعبر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف ، ويقولون: طريقة الخلف أعلم ، أي أنسب بقواعد العلم وأقوى في تحصيل العلم لجدال الملحدين ، والمقنع لمن يتطلبون الحقائق من المتعلمين ، قد يصفونها بأنها أحكم أي أشد إحكاما ؛ لأنها تقنع أصحاب الأغراض كلهم. وقد وقع هذان الوصفان في كلام المفسرين وعلماء الأصول ، ولم اقف على تعيين أول من صدر
عنه ، وقد تعرض الشيخ ابن تيمية في"العقيدة الحموية"إلى رد هذين الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل. والموصوف بأسلم وبأعلم الطريقة لا أهلها ؛ فإن أهل الطريقتين من أئمة العلم ، وممن سلموا في دينهم من الفتن.