المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط ، وذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق ، وهذا إنما يصح إذا قلنا: إنه لولا الكفر لكان ذلك الإنفاق موجباً لمنافع الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط ، وأجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد ، والوعد من الله مشروط بحصول الإيمان ، فإذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه ؛ لأن الكفر أزاله بعد ثبوته ، ودلائل بطلان القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 171}
قوله تعالى: {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}
قلنا: في تفسير قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} وجهان
الأول: أنهم عصوا الله فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم ، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شيء ، وحرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية ولا يحصل منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى ، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه
والثاني: أن يكون المراد من قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقته ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وعلى هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه ، فإن من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع ، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعاً ، فكذا ههنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ضائعاً ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 171}