قال رحمه الله:
الحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخص في أمرين:
أولهما:
إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء ، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم. ذلك الضعف الذي مكن قريشًا في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم واغتصاب دورهم وأموالهم ، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضآلة شأنها ، فإن المتربصين بالإسلام في المدينة كثرٌ ، ولن يصدهم عن النيل منه إلاّ الخوف وحده. وهذا تفسير قوله تعالى:
{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} .
والصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله ، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة ، أما الأولون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون -لولا هذه السرايا- الهجوم على المدينة واستباحة حماها.
وقد كان من الجائز أن تتكرر حادثة"كرز بن جابر"السابقة ، ويتجرأ البدو على تهديد المدينة حينًا بعد حين ؛ غير أن هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين.
والأمر الآخر:
-في حكمة بعث السرايا- إنذار قريش عقبى طيشها.
فقد حاربت الإسلام ولا تزال تحاربه ، ونكلت بالمسلمين في مكة ، ثم ظلت ماضية في غيها ، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله ، ولا تسمح لهذا الدين أن يجدد قرارًا في بقعة أخرى من الأرض ، فأحب الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة ، وأنه قد مضى -إلى غير عودة- ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص...