قال ابن عاشور:
وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى في سورة [ البقرة: 85 ] : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل: هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين ، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة.
وجملة { ولا يحبونكم } جملة حال من الضمير المرفوع في قوله: { تحبونهم } لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين.
وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط ، ولكنَّه مجرد إيقاظ ، ولذلك عقّبه بقوله: { وتؤمنون بالكتاب كله } فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين ، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه ، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ.
وهذان النظران ، منّا ومنهم ، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم ، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 201 ـ 202}
قوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ}
قال الفخر:
في الآية إضمار ، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به ، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 175}
قال القرطبى:
والكتاب اسم جنس ؛ قال ابن عباس: يعنى بالكُتُب.
واليهود يؤمنون بالبعض ؛ كما قال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ } [ البقرة: 91 ] . أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 181 ـ 182}