القرآن الكريم يجيب على هذه التساؤلات ويقول: إن هذا الختم وهذا الحجاب هما نتيجة إصرار هؤلاء ولجاجهم وتعنتهم أمام الحق ، واستمرارهم في الظلم والطغيان والكفر. يقول تعالى: (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) ويقول: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَار) ويقول أيضًا: (اأفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) كل هذه الآيات تقرر أنّ السبب في سلب قدرة التشخيص ، وتوقف أجهزة الإدراك عن العمل يعود إلى الكفر والتكبر والتجبر واتباع الهوى واللجاج والعناد أمام الحق ، هذه الحالة التي تصيب الإنسان ، هي في الحقيقة ردّ فعل لأعمال الإنسان نفسه.
من المظاهر الطبيعية في الموجود البشري ، أن الإنسان لو تعوّد على انحراف واستأنس به ، يتخذ في المرحلة الأُولى ماهية الـ «حالة» ثمّ يتحول إلى «عادة» وبعدها يصبح «ملكة» وجزءً من تكوين الإنسان حتى يبلغ أحيانًا درجة لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عنها أبدًا ، لكن الإنسان اختار طريق الانحراف هذا عن علم ووعي ، ومن هنا كان هو المسؤول عن عواقب أعماله ، دون أن يكون في المسألة جبر تمامًا ، مثل شخص فقأ عينيه وسدَّ أُذنيه عمدًا ، كي لا يسمع ولا يرى.
ول ورأينا أن الآيات تنسب الختم وإسدال الغشاوة إلى الله ، فذلك لأن الله هو الذي منح الانحراف مثل هذه الخاصية. (تأمّل بدقّة) . أهـ [الأمثل في تفسير الكتاب المنزل للشيرازى حـ1 صـ 104] .
قال الإمام القرطبي (1) - رحمه الله - ما نصه:
(1) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ 136 - 137