*قال أبو حيان التوحيدي في البصائر: لم أسمع كلامًا ألصق بالقلب ، وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي. وكان بحرًا في العلم - وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف على المفتي ، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان ؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ، ودللت على ذاته ، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ، ومعجزة لمحاوله ، وهدى لقائله ، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه ، فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده.
ومنها: وهو قول حازم في (منهاج البلغاء) : إن الإعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارًا لا توجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه ، والفترات في الفصاحة تقع للفصيح ، إما بسه ويعرض له في الشيء من غير أن يكون جاهلًا به ، أو من جهل به ، أو من سآمة تعتري فكره ، أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش عليها خاطره ، من اقتناص المعاني سمينًا كان أو غثًا ، فهذه آفات لا يخل ومنها الإنسان الفاضل الطبع الكامل ، وهو قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن عطية.
قال الخطابي في كتابه - وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر -: إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة ، لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس.