قال الجصاص:
قَوْله تَعَالَى: { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } .
الْآيَاتُ الَّتِي فِيهَا مِنْ جِهَاتٍ: أَحَدُهَا: تَعَاقُبُ الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ عَلَيْهَا مَعَ اسْتِحَالَةِ وُجُودِهَا عَارِيَّةً مِنْهَا ، وَالْأَعْرَاضُ مُحْدَثَةٌ ، وَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْمُحْدَثَ فَهُوَ مُحْدَثٌ.
وَقَدْ دَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ خَالِقَ الْأَجْسَامِ لَا يُشْبِهُهَا ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يُشْبِهُ فِعْلَهُ.
وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ خَالِقَهَا قَادِرٌ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ؛ إذْ كَانَ خَالِقُهَا وَخَالِقُ الْأَعْرَاضِ الْمُضَمَّنَةِ بِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَضْدَادِهَا ؛ إذْ مَا لَيْسَ بِقَادِرٍ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْفِعْلُ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ وُجُودِهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِصَانِعٍ قَدِيمٍ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَاجَ الْفَاعِلُ إلَى فَاعِلٍ آخَرَ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَانِعَهَا عَالِمٌ مِنْ حَيْثُ اسْتَحَالَ وُجُودُ الْفِعْلِ الْمُتْقَنِ الْمُحْكَمِ إلَّا مِنْ عَالِمٍ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَكِيمٌ عَدْلٌ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ عَالِمٌ بِقُبْحِهِ فَلَا تَكُونُ أَفْعَالُهُ إلَّا عَدْلًا وَصَوَابًا.