فإن قيل: لِمَ أتى بصلة الذين فعلًا ماضيًا؟ قيلٍ: لِيَدُلَّ ذلِك على ثبوتِ إنعام الله عليهم وتحقيقه لهم، وأتى بصلة [أل] اسمًا ليشمل سائرَ الأزمانِ، وجاء به مبنيًا للمفعول؛ تَحْسِينًا للفظ؛ لأنَّ مَنْ طُلِبتْ منه الهدايةُ ونُسِب الإنعامُ إليه لا يناسِبُه نسبةُ الغضبِ إليه، وترفُّق لطلبِ الإحسانِ، فلا يُحْسُنُ مواجَهَتُه بصفةِ الانتقام. أهـ [الدر المصون في علم الكتاب المكنون حـ1 صـ 75 ـ 76]
اعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى:"وما بكم من نعمة فمن الله" [النحل: 53] ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام أحدها: نعمة تفرد الله بإيجادها، نحو أن خلق ورزق. ثانيها: نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر، وفي الحقيقة فهي أيضًا إنما وصلت من الله تعالى، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة، والخالق لذلك المنعم، والخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم، إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكورًا، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال:"أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير" [لقمان: 14] فبدأ بنفسه تنبيهًا على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله، وثالثها: نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا، وهي أيضًا من الله تعالى، لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء منها، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى (1) .
أ هـ
(1) التفسير الكبير حـ1 ص221، 220