والإذن: الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذنَ إذا أصغى أُذُنه إلى كلام مَن يكلمه ، ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابةَ مطلبه ، وشاع ذلك حتى صار الإذن أشْيَع في معنى الخطاب بإباحة الفعل ، وبذلك صار لفظ الإذن قابلًا لأن يستعمل مجازًا في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة ، فأطلق في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان الهُدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة ، لأن من ييسر لك شيئًا فكأنه أباح لك تناوله.
وفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى التوحيد الذي كانوا عليه ، أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله ، فاختلف أتباعهم فيه بدلًا من أن يحققوا بأفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم ، فحصل بما في الإسلام من بيان القرآننِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وضوحُ الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه ، فحصل بمجيء الإسلام إتمام مراد الله مما أنزل من الشرائع السالفة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 312}
قال الفخر:
قوله تعالى: {بِإِذْنِهِ} فيه وجهان أحدها: قال الزجاج بعلمه
الثاني: هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال: قطعت بالسكين ، وذلك لأن الحق لم يكن متميزًا عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه
الثالث: قال بعضهم: لا بد فيه من إضمار والتقدير: هداهم فاهتدوا بإذنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 16}
فائدة أخرى
وفي تقييد الهداية بقوله تعالى: {بإذنه} دلالة على أن هداية الله تعالى لهؤلاء المؤمنين لم تكن إلزاما منهم ، وإيجابا على الله تعالى أن يهديهم لإيمانهم ، فإن الله سبحانه لا يحكم عليه حاكم ، ولا يوجب عليه موجب إلا ما أوجبه على نفسه ، بل كانت الهداية بإذنه تعالى ولو شاء لم يأذن ولم يهد ، وعلى هذا فقوله تعالى: والله يهدي من يشاء إلى
صراط مستقيم بمنزلة التعليل لقوله {بإذنه} ، والمعنى إنما هداهم الله بإذنه لأن له أن يهديهم وليس مضطرا موجبا على الهداية في مورد أحد ، بل يهدي من يشاء ، وقد شاء أن يهدي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 130}