وكما أن كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسل - عليهم السلام - فكذلك دعاوى الملبسين تتلاشى عن ظهور أنوار الصديقين ، وأمارة المبطل في دعواه رجوع الزجر منه إلى القلوب ، وعلامة الصادق في معناه وقوع القهر منه على القلوب. وعزيز من فصل وميز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر (1) . أهـ.
قال الإمام ابن القيم ما نصه:
(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (البقرة: 23) ، إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به ، وقلتم: إنه مفتعل فأتوا بسورة واحدة تشبهه ، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض بجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك ، حتى إن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه ، فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ، ويحكمون بسماجته ، وقبح ركاكته وخسته ، فهو كمن أظهر طيبًا لم يشم أحد مثل ريحه قط ، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيبة مثله ، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقاء بعذرة منتنة خبيثة ، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانًا وعظمة وجلالة ، وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (23) ، كما يقول المعجز لمن يدعى مقاومته: أجهد على بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحدًا حتى تستعين به ، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلًا إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقول ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق
(1) - لطائف الإشارات جـ1 صـ69