فبعد أن ابتدأ بأعظم تلك الأصول وهو تأسيس مال للأمة به قوام أمرها ، يؤخذ من أهل الأموال أخذا عدْلًا مما كان فضلًا عن الغنى فقرضه على الناس ، يؤخذ من أغنيائهم فيردّ على فقرائهم ، سواء في ذلك ما كان مفروضًا وهو الزكاة أو تطوّعًا وهو الصدقة ، فأطنب في الحثّ عليه ، والترغيب في ثوابه ، والتحذير من إمساكه ، ما كان فيه موعظة لمن اتّعظ ، عَطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم ، وهي المعاملة بالربا الذي لقّبه النبي صلى الله عليه وسلم ربَا الجاهليةِ ، وهو أن يعطي المدين مالًا لدائنه زائدًا على قدر الدين لأجل الانتظار ، فإذا حلّ الأجل ولم يدفع زَاد في الدين ، يقولون: إمّا أن تَقْضيَ وإمّا أن تُربِي.
وقد كان ذلك شائعًا في الجاهلية كذا قال الفقهاء.
والظاهر أنّهم كانوا يأخذون الربا على المدين من وقت إسلافه وكلّما طلبَ النظرة أعطى ربا آخر ، وربّما تسامح بعضهم في ذلك.
وكان العباس بنُ عبد المطلب مشتهرًا بالمراباة في الجاهلية ، وجاء في خطبة حجّة الوداع"ألا وإنّ ربا الجاهلية موضوع وإنّ أول ربا أبْدَأ به ربا عمّي عباس بن عبد المطلب".
وجملة {الذين يأكلون الربوا} استئناف ، وجيء بالموصول للدلالة على علّة بناء الخبر وهو قوله: {لا يقومون} إلى آخره. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 78 ـ 79}
قال القرطبى:
الربا في اللغة الزيادة مطلقًا ؛ يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد ، ومنه الحديث:"فلا والله ما أخذنا من لقمة إلاّ رَبَا من تحتها"يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالبركة ؛ خرّج الحديث مسلم رحمه الله.
وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوّله ، وقد كتبوه في القرآن بالواو.