قال البقاعى:
ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال: إن لهؤلاء أعمالًا حسانًا واجتهادات في الطاعة عظيمة ، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد ، كما أنهم هم أيضًا ذوات بغير قلوب ، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين حبطت} أي فسدت فسقطت ، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها {أعمالهم} أي كلها الدنياوية والدينية ، وأنبأ تعالى بقوله: {في الدنيا} كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل ، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى {والآخرة} فلا يقيم لهم الله في يوم الدين وزنًا ، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين.
ولما كان التقدير: فلا ينتصرون بأنفسهم أصلًا ، فإنهم لا يدبرون تدبيرًا إلا كان فيه تدميرهم ، عطف عليه قوله: {وما لهم من ناصرين} قال الحرالي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء} [ الروم: 4 ، 5 ] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم"يقتلون في آخر الزمان حتى يقول الحجر: يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله ، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد"كما قال صلى الله عليه وسلم:"إنه من شجرهم"وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه ، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين ، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 48 ـ 49}
قال الفخر: