ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله: {وقل} تهديدًا وتعجيزًا وتبكيتًا وتقريعًا {للذين أوتوا الكتاب} أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضًا {والأمّيّن} الذين لا كتاب لهم ، مشيرًا بالاستفهام إلى عنادهم منكرًا عليهم موبخًا لهم: {ءأسلمتم فإن أسلموا} عند ذلك {فقد اهتدوا} فنفعوا أنفسهم في الدنيا والآخرة ، وفي صيغة"افتعلوا"ما يليح إلى أن الأنفس مائلة إلى الضلال زائغة عن طريق الكمال {وإن تولوا} أي عن الإسلام فهم معاندون فلا يهمنك أمرهم {فإنما عليك البلاغ} أي وعليهم وبال توليهم ، وفي بنية التفعل ما يومىء إلى أن طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب ، وأن الصادف عنها بعد ذلك قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه واعوجاج طبعه.
ولما كان التقدير: فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير ، وينكب عنه من علم فيه الشر ، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا {بصير بالعباد} أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره.
لا يقدر على فعل ذلك غيره ، ولا يقدر أحد غيره أن يفعل غير ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 46 ـ 47}
قال الفخر:
اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بيّن الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم ، فقال: {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن} وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: