قال عليه الرحمة:
وقَوْله تَعَالَى: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .
زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ أَحْيَاءً فِي الْجَنَّةِ ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لَجَازَ الْقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ وَمَذْهَبِ أَهْلِ التَّنَاسُخِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ:"إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُنِيلُهُمْ مِنْ النَّعِيمِ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ إلَى أَنْ يُفْنِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ فِنَاءِ الْخَلْقِ ، ثُمَّ يُعِيدُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ"؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلِأَنَّ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ فَائِدَتِهِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ أَحْيَاءً مَعَ سَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، إذْ الْجَنَّةُ لَا يَكُونُ فِيهَا مَيِّتٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَصْفُهُ تَعَالَى لَهُمْ بِأَنَّهُمْ فَرِحُونَ عَلَى الْحَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِاَلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ } وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ قَدْ لَحِقُوا بِهِمْ.