والثاني: أن يذكر بـ من ، نحو: الإنسان أفضل من الأسد ، ويرد أنه زائد على جميع الذكور ، ويدلك على صحة هذا أنه إدا قيل:"زيد أفضل الناس"، وعني بالناس العموم لم يكن ذلك محالاً ، لأن يقتضي أن يكون أفضل من نفسه أيضاً ، إذ هو من الناس أو لا يكون منهم ، فحيث ذكر تعالى الناس وأراد أنه زائد على جلهم أصناف ، وحيث ذكر المشركين ، عنى أنه زائد عليهم كلهم ذكر"من"، وإنما قال"على حياة"فنكرها ، لأن الحياة التي يحرصون عليها هي حياة ما ، وهي أحسن حياة"، فكأنها لخستها وقلة وزنها ذكرها منكرة ، وإنما الحياة المطلقة هي الحياة."
الحقيقية التي وصف بها وللآخرة فِي قوله: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} ، فأبان الله تعالي فرط حرصهم على الحياة الدنيا ، وأن تمنيهم لها فوق تمني المشركين ، إذ غاية تمنيهم للحياة ألف سنة ، وبذلك يتداعون ، ثم بين تعالى أن بقاءهم ألف سنة لا ينقذهم من عذاب الله إن ماله مدة فقصير ، وإن طال ، فكما قال الشاعر:
أرى العمرْ كنْزاً ناقصاً كُلَّ ليلةٍ ....
ومَاَ تنقصُ الأيامُ والدهْرُ يُنْقلُ
قوله تعالى:
{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} الآية (97) سورة البقرة.
العدو التجاوز ومنافاة الالتزام ، فتارة يعتبر بالقلوب ، فيقال له العداوة ، وتارة فِي المشيء ، فيقال له العدو ، وتارة فِي الإخلال بالعدالة فِي المعاملة ، فيقال له العدوان ، وتارة إما فِي المكان وإما فِي النسب ، فيقال قوم عدي أي غرباً ، وجبريل فيه لغات ، وإنما كثرت فيه اللغات لكونه معرباً ، وتقرأه كل [قبيلة] على حسب استحقاقه ، فمنهم من لم يتحر فيه أبنية كلامهم ولا تخفيف اللفظ ، ومنهم من خفف ولم