فإن عنى أن إن ههنا لفظة للنفي فدلك بعيد ، وإن عنى أنه شرط مقتضاه النفي كما تقدم فصحيح والكلام فِي أنه كيف جعل الإيمان أمراً فِي قوله: {يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} فقد تقدم فِي صدر الكتاب فصل كلي يكفي الاشتغال بهذه التفاصيل.
قوله - عز وجل -:
{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
الآية (94) سورة البقرة.
الخالص كالصافي ، لكن الصافي يقال فيما لم يكن قبل فيه شوب ، ولا يقال: خالص إلا ما كان فيه شوب من [قبل] ، فزال عنه ، ولذلك قال الشاعر:
خلاصُ الخمْرِ منْ نسجِ الفَدَامِ
فاعتبر فيه معنى التخلص والتمني تقدير تأتي مشيته والتحدث به إما ضميراً ، وإما مقالاً ، ودون لما كان فِي الأصل القاصر عن الشر اعتبر ذلك فِي المكان تارة وفي الشرف تارة ، وفي الاختصاص تارة ، فإذا قيل: هذا لي دونك ، فهو مفيد للاختصاص ، ومعناه: أنت تقصر عنه ، وإن قيل كيف قال: (من دون الناس) والمخاطبون أيضاً من الناس ؟
قيل: قد قال بعضهم لفظه عام ، ومعناه خاص ، أي دون سائر الناس ، وقال بعضهم فِي ذلك لطيفة ، وهو أنه يقال:"فلأن ليس من الناس ، وذلك متردد بين المدح والذم ، فالمدح نحو قول بعضهم: فلان ليس إنساناً ، بل هو ملك كريم..."
وقال الشاعر
فلست بإنسيَّ وَلكنْ لملاك
والذم نحو: فإنَّ جُلهُمُ أوُ كلهُمْ بَقر
ولما كانت الدار الآخرة لا تحصل للناس خالصة ، بل لأبد فِي نيلها من تحمل شوائب وتجرع نوائب ، وكانوا قد ادعوا أنها لهم خالصة قيل لهم ذلك بمعنى إن كنتم جنساً غير الناس فِي أن تحصل لكم الدار الآخرة خالصة [على حسب ما تحصل للناس] فتمنوا الموت ، وإنما قيل لهم"تمنوا الموت"، لأنهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} ، وقالوا: