وقال الآخر: قالَ جناحاهًُ لرجليه الحقَاَ
{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} ...
من عادة العرب أنهم إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض فِي القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب ، إذ هو أبلغ منجاع فِي البدن ، ولذلك قالت الأطباء:
الماء مطية الأغذية ، والأدوية ، لركوبها يبلغ أقاصي الأمكنة ، وعلى هذه الراعية قال الشاعر:
تغلغل حيث لم يبلُغْ شرابٌ ....
ولا حزنُ ولمْ يبلغْ سرُورُ
وقال أهل النحو: أريد حب العجل ، فحذف المضاف تحقيقاً ، ويجب أن يعلم أنه لو قيل حب العجل ، لم يكن له من المبالغة ماله بحذفه ، لأن فيه تنبيها أن لفرط شغفهم به ثبت صورة العجل فِي قلوبهم راسخة ، وإن زالت ذاته الجسمية ، ثم بين أن ذلك [كذلك] بسب كفرهم ، لا أنه تعالى ظلمهم به ، وما قال السدي وابن جرير أن موسى - عليه السلام - لما رجع إلى [قومه] برد العجل الذي عبدوه ، فذراه فِي اليم ، فلم يشربه أحد أحبه إلاً خرج على شاربيه الذهب ، وليس ينافي ما تقدم تصورت ذلك حقيقة أم تصورته كناية وإشارة ، وقال بعضهم: معنى أشربوا من قولهم:"أشربت البعير"إذا شددت حبلاً فِي عنقه ، قال:
وأشربْتُها الأقران حتى وقصتُاً ...
بقرْحِ وقدْ ألقينَ كلَّ جنين
فكأنما شد فِي قلوبهم العجل لفرط شغفهم به ، فهو راجع إلى الأول تحقيقه وإن خالفه تشبيها وتمثيلاً ، ثم بكتهم تعالى بقياس شرطي يدل على إبطال دعواهم الإيمان بالتوراة وهو قوله:
{بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وتقديره: إن كنتم مؤمنين ، فإيمانكم أمركم بذلك ، وكل إيمان أمر بذلك فإيمان مذموم ، وقد ثبت أن الإيمان بالتوراة ليس بمذموم ولا يظهر بالمذموم ، فإذا
لستم بمؤمنين ، فكيف تدعون الإيمان بما أنزل إليكم ، وقال الزجاج فِي قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . [ما كنتم مؤمنين] .