وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} ثُمَّ يُبَدِّلُونَ مَعْنَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: وَيُغَيِّرُونَهُ. وَأَصْلُهُ مِنَ انْحِرَافِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ مَيْلُهُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُحَرِّفُونَهُ} أَيْ يَمِيلُونَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا حَرَّفُوا، وَأَنَّهُ بِخِلَافِ مَا حَرَّفُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: {يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}
يَعْنِي مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوا تَأْوِيلَهُ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ فِي تَحْرِيفِهِمْ مَا حَرَّفُوا مِنْ ذَلِكَ مُبْطِلُونَ كَاذِبُونَ. وَذَلِكَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْبُهْتِ، وَمُنَاصَبَتِهِمُ الْعَدَاوَةَ لَهُ وَلِرَسُولِهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ بَقَايَاهُمْ مِنْ مُنَاصَبَتِهُمُ الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْيًا وَحَسَدًا عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوَائِلُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَصْرِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) }