وقرأ الجمهور: {يَأْمُرُكُمْ} بضم الراء، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس، وإبدال الهمزة ألفا {قالُوا} كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ هل سارعوا إلى الامتثال أولا؟ فقيل: قالوا: {أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا} ؛ أي: أتجعلنا مكان هزء وسخرية، وتستهزئ بنا وتلعب بنا يا موسى؟ حيث نسألك عن أمر القتيل فتأمرنا بذبح بقرة، ولا جامع بينهما، وإنما قالوا ذلك: لأنهم لم يعلموا أن الحكمة هي حياة القتيل بضربه ببعض البقرة، وإخباره بقاتله. قال بعض العلماء: كان ذلك هفوة منهم وجهالة، فما انقادوا للطاعة وذبحها، وقد كان الواجب عليهم أن يمتثلوا أمره ويقابلوه بالإجلال والاحترام، ثم ينتظروا ما يحدث بعد {قالَ} موسى وهو استئناف أيضا {أَعُوذُ بِاللَّهِ} ؛ أي: امتنع بالله تعالى وألتجئ إليه من {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} ؛ أي: من المستهزئين بالمؤمنين؛ لأن الهزء والسخرية في أثناء تبليغ أمر الله تعالى جهل وسفه، ودل على أن الاستهزاء بأمر الدين كبيرة، وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل، وصاحبه مستحق للوعيد، وليس المزاح من الاستهزاء. وقال علي - رضي الله عنه - لا بأس بفكاهة يخرج بها الإنسان من حد العبوس. روي أنه قدم رجل إلى عبيد الله بن الحسين وهو قاضي الكوفة، فمازحه عبيد الله، فقال: جبتك هذه من صوف نعجة، أو من صوف كبش؟ فقال: أتجهل أيها القاضي؟ فقال له عبيد الله:
وأين وجدت المزاح جهلا؟ فتلا هذه الآية، فأعرض عنه عبيد الله؛ لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء، أو المعنى من المبلّغين عن الله الكذب. اهـ. «صاوي» .