الثامن: الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم ، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة ، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة ، بل أنا أزيد فيها ، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم ، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم ، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك ، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم ، والآن تعولون على فضلي وعفوي ، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك ، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم.
والوجوه الثلاثة الأول مذكورة ، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع ، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 54}
قال القرطبى:
قوله تعالى: { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر }
قال العلماء: أمرَ الله تعالى نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ ؛ وذلك أنه أمره بأن يَعفُوا عنهم ما له في خاصّته عليهم من تَبِعةٍ ؛ فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تَبِعَة أيضا ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أَهْلاً للاستشارة في الأمور.
قال أهل اللغة.
الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شُرْتُ الدابة وشوّرتُها إذا علمت خبرها بجري أو غيره.
ويقال للموضع الذي تركُضُ فيه: مِشوَار.
وقد يكون من قولهم: شُرْت العسَل واشْتَرْتهُ فهو مَشوُر وَمُشْتار إذا أخذته من موضعه ، قال عَدي بنُ زَيد:
في سَمَاع يأذَنُ الشَّيْخُ له . . .
وحَديثٍ مْثلِ مَاذِيٍّ مُشَار