قال القرطبى:
وفي صفة النبيّ عليه السلام ليس بفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخَّابٍ في الأسواق ؛ وأَنشَدَ المُفَضّل في المذكر:
وليس بفَظٍّ في الأَدَاني والأَولى . . .
يَؤُمُّون جَدْوَاهُ ولكنّه سَهْلُ
وفَظٌّ على أعدائِهِ يَحْذَرُنَهُ . . .
فَسَطْوَتُهُ حَتْفٌ ونائِلهُ جَزْلُ
وقال آخرُ في المُؤنَّثِ:
أَموتُ مِن الضُّرِّ في منزلي . . .
وغيري يموتُ من الكِظَّهْ
ودُنْيَا تَجودُ على الجاهلي . . .
ن وهْي على ذي النُّهىَ فَظَّه
وغِلَظُ القلب عِبارةٌ عن تَجَهُّم الوجه ، وقِلّةِ الانْفِعَالَ في الرَّغائِبِ ، وقِلّة الإشْفَاقِ والرّحمة ، ومن ذلك قولُ الشّاعر:
يُبْكى عَلَيْنَا ولا نَبْكي على أَحدٍ ؟ . . .
لَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً من الإبلِ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 248}
قال الفخر:
إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام بإعانة الفقراء ، كثير التجاوز عن سيآتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة.