وقوله تعالى: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ } تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم ، ولما أُطْمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبِياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام ، وهو المحكي عنه ؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبَيِّناً.
أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقّاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهما فقال:"إني لم أبعث لَعّاناً ولكني بعثت داعِياً ورحمة ، اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"فكأنه عليه السَّلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد ، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا.
ويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح: 26 ] الآية.
ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ؛ فقد وُطِيء ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيراً ، فقلت:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وقوله:"اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم"يعني بذلك المباشرَ لذلك ، وقد ذكرنا اسمه على اختلاف في ذلك ، وإنما قلنا إن خصوص في المباشر ؛ لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحُداً وحسن إسلامهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 199 ـ 200}
قال الفخر:
ذكر الفرّاء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين