وقوله:"ولا على انقطاع طارئ"، قد ذكرنا - قبل - أن الصحيح أنها كسائر الأفعال ، يدل لفظ المُضِيّ منها على الانقطاع ، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع ، وفرق بين الدلالة والاستعمال ؛ ألا ترى أنك تقول:"هذا اللفظ يدل على العموم"ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم ، بل يراد الخصوص.
وقوله: كأنه قيل:"وجدتم خير أمة"، هذا يعارض قوله: إنها مثل قوله: { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } ؛ لأن تقديره: وجدتم خير أمة يدل على أنها التامة ، وأن { خَيْرَ أُمَّةٍ } حال ، وقوله: { وكان الله غفوراً رحيماً } لا شك أنها - هنا - الناقصة ، فتعارضا.
قال شهابُ الدين:"لا تعرُضَ ؛ لأن هذا تفسير معنًى ، لا إعراب".
الثاني: أنها بمعنى:"صرتم"، و"كان"تأتي بمعنى:"صار"كثيراً.
كقوله: [ الطويل ]
بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كأنَّهَا... قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا
أي: صارت فراخاً.
الثالث: أنها تامة ، بمعنى:"وجدتم"، و { خَيْرَ أُمَّةٍ } - على هذا منصوب على الحال ، أي: وجدتم على هذه الحال.
الرابع: أنها زائدة ، والتقدير: أنتم خير أمة ، وهذا قول مرجوح ، أو غلط ، لوجهين:
أحدهما: أنها لا تزاد أولاً ، وقد نقل ابنُ مالك الاتفاق على ذلك.
الثاني: أنها لا تعمل في"خير"مع زيادتها.
وفي الثاني نظر ، إذ الزيادة لا تنافي العمل ، لما تقدم عند قوله:"وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله"؟
الخامس: أنها على بابها ، والمراد: كنتم في علم الله ، أو في اللوح المحفوظ ، أو في الأمم السالفة ، مذكورين بأنكم خير أمة.
السادس: أن هذه الجملة متصلة بقوله:"ففي رحمة الله"، أي: فيقال لهم يوم القيامة:"كنتم خير أمة"، وهو بعيد جِدًّا.