ومنها أنهم أجمعوا على مخالفة الإسلام والإعراض عنه بغيا منهم وحسدا ، مع ظهور أحقيته عند علمائهم وأحبارهم كما قال تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [ البقرة: 146-147] وقال تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] أي أعرضوا عن الإسلام ، وصمموا على البقاء على دينهم ، وودوا لو يردونكم إلى الشرك أو إلى متابعة دينهم ، حسدا على ما جاءكم من الهدى بعد أن تبين لهم أنه الحق.
ولأجل أن يسمح نظم الآية بهذه المعاني ، حذف متعلق الاختلاف في قوله {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ليشمل كل اختلاف منهم: من مخالفة بعضهم بعضا في الدين الواحد ، ومخالفة أهل كل دين لأهل الدين الآخر ، ومخالفة جميعهم للمسلمين في صحة الدين.
وحذف متعلق العلم في قوله {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} لذلك.
وجعل بغيا عقب قوله من بعد ما جاءهم العلم ليتنازعه كل من فعل اختلف ومن لفظ العلم.
وأخر بينهم عن جميع ما يصلح للتعليق به: ليتنازعه كل من فعل اختلف وفعل جاءهم ولفظ العلم ولفظ بغيا.
وبذلك تعلم أن معنى هذه الآية أوسع معاني من معاني قوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} في سورة البقرة [213] وقوله {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} في سورة البينة [4] كما ذكرناه في ذينك الموضعين لاختلاف المقامين.