ثم إن تأثير الشفيع عند الحاكم المشفوع عنده لا يكون تأثيرًا جزافيًا من غير سبب يوجب ذلك, بل لا بد أن يوسط أمرًا يؤثر في الحاكم, ويوجب نيل الثواب, أو التخلص من العقاب, فالشفيع لا يطلب من المولى مثلًا أن يبطل مولوية نفسه وعبودية عبده فلا يعاقبه, ولا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه وتكليفه المجعول, أو ينسخه عمومًا أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه, ولا يطلب منه أن يبطل قانون المجازاة عمومًا أو خصوصًا فلا يعاقب لذلك رأسًا, أو في خصوص الواقعة, فلا نفوذ ولا تأثير للشفيع في مولوية وعبودية, ولا في حكم ولا في جزاء حكم, بل الشفيع بعد ما يسلم جميع الجهات الثلاث المذكورة إنما يتمسك: إما بصفات في المولى الحاكم توجب العف ووالصفح كسؤدده, وكرمه, وسخائه, وشرافة محتدة, وإما بصفات في العبد تستدعي الرأفة والحنان وتثير عوامل المغفرة كمذلته ومسكنته وحقارته وسوء حاله, وإما بصفات في نفسه أعني نفس الشفيع من قربه إلى المولى وكرامته وعل ومنزلته عنده فيقول: ما أسألك إبطال مولويتك وعبوديته, ولا أن تبطل حكمك ولا أن تبطل الجزاء, بل أسألك الصفح عنه بأن لك سؤددًا ورأفة وكرمًا لا تنتفع بعقابه ولا يضرك الصفح عن ذنبه أو بأنه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه ولا يهتم بأمره أو بأن لي عندك من المنزلة والكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه والعف وعنه.