فهرس الكتاب

الصفحة 3555 من 12199

وثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه {مِنْ} التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معًا فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله {وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ} [ الصف: 11 ] وهذا الوجه ذكره صاحب"الكشاف"، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها: وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع: أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال: {أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [ الرعد: 28 ] فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية ، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} [ الإنسان: 9 ] ووصف إنفاق أبي بكر فقال: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى ، وَلَسَوْفَ يرضى} [ الليل: 19 ، 20 ، 21 ] فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض.

فهناك اطمأن قلبه ، واستقرت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه ، ولهذا قال أولًا في هذا الإنفاق إنه لطلب مراضاة الله ، ثم أتبع ذلك بقوله {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} وخامسها: أنه ثبت في العلوم العقلية ، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت