وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر ، يقول: علما الإيمان والكفر ، فالسحر من الكفر ، فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم.
ثم شرع ابن جرير فِي رد هذا القول ، وأن"ما"بمعنى الذي ، وأطال القول فِي ذلك ، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض ، وأذن لهما فِي تعليم السحر اختبارًا لعباده وامتحانًا ، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل ، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان فِي تعليم ذلك ؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدًا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] !
وروى ابن أبي حاتم بإسناده. عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها: {وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} ويقول: هما علجان من أهل بابل.
وَوَجَّه أصحابُ هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق ، لا بمعنى الإيحاء ، فِي قوله: {وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} كما قال تعالى: {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] ، {وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] ، {وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} [غافر: 13] . وفي الحديث:"ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء". وكما يقال: أنزل الله الخير والشر.
[وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري: أنهم قرؤوا:"وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ"بكسر اللام. قال ابن أبزى: وهما داود وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون"ما"نافية أيضًا] .