وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ وَجَازَ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا بِهِ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ قَوْلٌ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا كَذَلِكَ: وَإِذْ قُلْنَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} فَلَمَّا كَانَ حَسَنًا وَضْعُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي مَوْضِعِ: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} عَطَفَ بِقَوْلِهِ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} عَلَى مَوْضِعِ {لَا تَعْبُدُونَ} وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا فِيهِ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ وَضْعِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَوْضِعَ
لَا تَعْبُدُونَ؛ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ تَبْتَدِئُ الْكَلَامَ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ فِي مَوْضِعِ الْحِكَايَاتِ لِمَا أَخْبَرَتُ عَنْهُ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ، وَتَبْتَدِئُ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ لِمَا فِي الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ
يَعْنِي تَقَلَيْتِ، وَأَمَّا الْحُسْنُ فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: {حُسْنًا} بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَسْكِينِ السِّينِ.