على قوله وإن المؤثر، والْمُرَاد بأعدى عدوه النفس الأمارة بالسوء. قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"أعدى"
عدوك نفسك التي بين جنبيك". والْمُرَاد بالمعرفة مع أنه معروف بالخبر الصادق معرفة يحصل"
بسببها الحياة الطيبة فتصير نفسا مطمئنة بعد ما كانت نفسًا أمارة ولوَّامة؛ ولذا قال فتحيى
حياة طيبة فحِينَئِذٍ يعرف ربه كما في الْحَديث:"من عرف نفسه فقد عرف ربه".
قوله: (فطريقه) أي طريق العرفان (أن يذبح بقرة نفسه التي هي الْقُوَّة الشهوية) أي أن
بذبح ذبحًا معنويا بالرياضات وكثرة المجاهدات حتى ترغب عن الشهوات وتميل إلَى
الطاعات، وهذا معنى ذبحها فإن حياتها الفانية باستيفاء اللذات وذبحها الذب عن المشتبهات
وإضافة البقرة من قبيل إضافة المشبه به إلَى المشبه ومشابهتها بالبقرة في كثرة الأكل وتناول
ما لا نفع فيه بل فيه ضرر. والحاصل أشير بذبح البقرة إلَى كسر الْقُوَّة الشهوية.
قوله: (حين زال عنها شره [الصبا] ) بكسر الشين والراء خباثته وحمله عَلَى ما لا يَنْبَغي
أو بفتح الشين والراء المخففة بمعنى الحرص وهذا إلَى قَوْله الكبر مأخوذ من قَوْلُه تَعَالَى:
(لَا فَارضٌ وَلَا بكْرٌ) (ولم يلحقها ضعف الكبر) .
قوله: (وكانت معجة [رائقة المنظر] ) أشير إلَى ذلك بقَوْلُه تَعَالَى: (صَفْرَاءُ فَاقعٌ) .
قوله: (غير مذللة في طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها) مأخوذ من
قَوْلُه تَعَالَى: (لَا ذَلُولٌ تُثيرُ الْأَرْضَ) مسلمة عن دنسها مشار إليه بقَوْلُه تَعَالَى:
(لَا شيَةَ فيهَا) (بحَيْثُ بصل أثرها إلَى نفسه فتحيى حياة طيبة) تأويل قوله:
(كَذَلكَ يُحْي اللَّهُ الْمَوْتَى) والْمُرَاد بالحياة الطيبة هي التحلي بالمعارف الْإلَهيَّة
والمبرات السبحانية كما أن الْمُرَاد بالموت الحقيقي الجهل بما يَنْبَغي أن يعرفه.
قوله: (وتعرب) أي تظهر (عَمَّا به تنكشف الحال) أي حال الأشياء عَلَى ما هي في
نفس الأمر فإذا انكشفت حال الأشياء مطابقة للواقع (ويرتفع ما بين العقل والوهم من [التدارؤ] )
كما ارتفع التدارؤ والاختصام بين بني إسرائيل بظهور القاتل في نفس الأمر بإخبار المقتول
بعد كونه حيًّا أشار به إلَى أن للوهم تسلطًا عَلَى مدركات العقل فينازعها فيها ويحكم عليه
بخلاف أحكامه فمن أحيى نفسه بذبح بقرتها بحَيْثُ يصل أثره إلَى نفسه أخبره نفسه بأن ما
حكم الوهم باطل وما حكم العقل صحيح ثابت، وهذا معنى تعرب وعند ذلك يرتفع ما بَيْنَهُمَا
من [التدارؤ] (والنزاع) كما أن قتيل بَني إسْرَائيلَ أخبر بقاتله وارتفع به نزاعهم بسَبَب ذبح البقرة
بحَيْثُ يصل أثره إليه بضرب بعضها فكان حيًّا مخبرًا بقاتله، فتفطن جزالة هذا الْمَعْنَى ولطافته
واستخراج رد مواقعه إلَى محله واللَّه ولي دينه وكتابه. قال الْمُصَنّف في أواخر تفسير قوله
تَعَالَى (الذي جعل لكم الْأَرْض فراشًا) الآية. ولعل سبحانه وتَعَالَى أراد من
الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظَّاهر وسبق فيه الْكَلَام الإشَارَة إلَى تفصيل خلق الْإنْسَان إلَى
قوله: فإن لكل آية ظهرًا وبطنًا وحَدًّا ومطلعًا، كما أوضحناه هناك، وهذا هُوَ الْمُرَاد هَاهُنَا ولا يريد
به تأويل الآية بهذه الْمَعَاني حتى يقال إن ظَاهر الآية لا يقتضي ذلك لكن مثله إذا حكي