ولكل من يصلح أن يخاطب ويسمع هذا الْكَلَام لأن أمر الإحياء عظيم يقتضي الاعتناء بشأنه
أن يخاطب به كل من [يصح] منه الاستماع، فيدخل هَؤُلَاء دخولًا أوليًّا ويدل عليه قوله
(ويُريكُمْ آيَاته) وعلى التقدير الأول لا بد من تقدير الْقَوْل قبل ذلك ليرتبط
الْكَلَام بما قبله أي قلنا لهم (كَذَلكَ يُحْي اللَّهُ الْمَوْتَى) بخلاف ما إذا كان
الخطاب لمن حضر نزول الآية في زمن الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - فإنه ينتظم بدونه بل معه يخرج الْكَلَام
من الانتظام وهذا حاصل ما نقل عن الْمُصَنّف في منهواته، كما قيل، فعلى هذا لا يرد
الإشكال بأن الأنسب ذكره بعد يَعْقلُونَ لما عرفت من أن بَني إسْرَائيلَ يدخلون فيه دخولًا
أوليًا وحاصل الْمَعْنَى قلنا لهم كما أحيى اللَّه تَعَالَى عاميل يُحْي اللَّهُ الْمَوْتَى يَوْم الْقيَامَة عَلَى
أن يكون اسْتئْنَافًا جوابًا عَمَّا يقال ماذا قال الله تَعَالَى عند رؤيتهم هذه الآية. وفيه دلالة عَلَى
أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أخبر قومه بحشر الأجساد في يوم الميعاد وأن الموتى يبعثون من
قبورهم فما ذكره الشارح الأصفهاني للطوالع من قوله: وأما الْأَنْبيَاء الَّذينَ سبقوا عَلَى نبينا
مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ فالظَّاهر من كلام أممهم أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يذكر المعاد البدني
ولا أنزل عليه في التَّوْرَاة لكن جاء ذلك في كتب الْأَنْبيَاء الَّذينَ جاءوا بعده حزقيل وقبل
شعيا عليهما السلام؛ ولذلك أقر الْيَهُود به انتهى. فسهو عظيم. أما أولًا فلما عرفت من هذه
الآية من خلافه وما عداها من الآية الدَّالَّة عَلَى أن مُوسَى ذكر المعاد البدني لهم كثيرًا جدا
وأما ثانيًا فلأن الْأَنْبيَاء عليهم السلام كلهم متفقون عَلَى أصول الدين فيلزم منه أنهم ذكروا
لقومهم المعاد البدني الذي هُوَ أهم المعتقدات، فَكَيْفَ يقال إن صاحب التَّوْرَاة لم يذكر ذلك؟
فإن هذا الْقَوْل يوهم اخْتلَافهم في باب الاعتقاديات، ولا ريب في بطلانه.
قوله: (أو نزول الآية) عطف عَلَى حياة القتيل أي والتَّكَلُّم مع من حضر نزول الآية
من منكري البعث في زمن الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ فحِينَئِذٍ لا يقدر الْقَوْل كما عرفت وهذا
الاحتمال لا يلائم قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) الآية. ولعل لهذا أخَّره وضعَّفه بل لا يلائم
قوله: (ويُريكُمْ آيَاته) ؛ إذ الظَّاهر أنه من الإراءة وهي مختصة بمن حضر حياة.
قوله: (دلائله عَلَى كمال قدرته) أي عَلَى إحياء الموتى خصوصًا وعلى كمال
علمه، فالتَّخْصِيص بكمال قدرته من مقتضيات المقام. روي أنه لما ضرب قام بإذن الله
تَعَالَى وأوداجه تشحب دمًا، فقال قتلني ابنا عمي فلان وفلان، فسقط ميتًا فأُخذا وقُتلا ولم
يورثا قاتل بعد ذلك. كذا في الكَشَّاف. قيل فعلى قول من قال إنهم مكثوا أربعين سنة ثم
ذبحوا أن الله تَعَالَى حفظ القتيل عن البلاء والفناء أوأعاد الله تَعَالَى هكذا بعد البلاء