دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافأة له على برّه بوالدته، فضلا منه ورحمة. والوجه في تعيين البقرة دون غيرها من البهائم؛ أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل، وحبّب إليهم ذلك، كما قال تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} ثم تابوا وعادوا إلى طاعة الله تعالى وعبادته، فأراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم وقيل: كان أفضل قرابينهم حينئذ البقر، فأمروا بذبح البقرة؛ ليجعل الله التقرب لهم بما هو أفضل عندهم.
وفي هذه القصة بيان نوع آخر من مساويهم، لنعتبر به ونتعظ، وفيه من
وجوه العبر:
1 -أن التنطع في الدين والإلحاف في السؤال، مما يقضي التشديد في الأحكام، ومن ثم نهينا عن ذلك بقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وبما جاء في الأحاديث الصحيحة من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» .
2 -أنهم أمروا بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان؛ لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرون من تعظيمه، وليعلم بأجابتهم ما كان في نفوسهم من حب عبادته.
3 -استهزاؤهم بأوامر الأنبياء.
4 -أن يحيا القتيل بقتل حي، فيكون أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدداها.
68 -ثم إن القوم لما علموا أن ذبح البقرة عزم من الله وجدّ، استوصفوها من موسى فـ {قالُوا} كأنه قيل: فماذا قال قوم موسى بعد ذلك؟ فقيل: توجهوا نحو الامتثال، وقالوا: يا موسى! {ادْعُ لَنا} ؛ أي: سل لأجلنا {رَبَّكَ} أن يبين لنا سنّها إن دعوته {يُبَيِّنْ} ويوضح {لَنا} ويعرّف ويعيّن {ما هِيَ} ؛ أي: جواب ما تلك البقرة؛ أي: ما سنّها؟ أصغيرة أم كبيرة. وهذا تشديد منهم على أنفسهم.