وَأمَّا الكوفيين فيفصِّلون ، فيقولون: إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له ، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير ، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو:"زيدٌ عمرو ضاربُه هو"، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو ، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ ، نحو:"زيدٌ هندُ ضاربُها"، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين ، وهو مذهب حَسَنٌ.
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ ، فمنه قراءة مَنْ قرأ { إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } [ الأحزاب: 53 ] بجر"غير"مع عدم بروز الضمير ، ولو أبْرَزَهُ لقال: غير ناظرين إناه أنتم.
ومنه قول الآخر: [ البسيط ]
قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ... بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ
ولم يقل: بَانُوهَا هُمْ.
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ ، تقديره: هم بتنوها ف"قومي"مبتدأ أوَّلٌ ، و"ذُرا"مبتدأ ثان ، و"هُمْ مبتدأ ثالث ، و"بانوها"خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل."
وقد منع الزمخشريُّ كون"خَالِدينَ"و"خَالِداً"صفةٌ لـ"جَنَّاتِ"و"ناراً"؟ قلت: لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له ، فلا بُدَّ مِنَ الضَّميرِ في قولك:"خالدين هم فيها"، و"خالداً هو فيها".
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع"خالداً"ولم يتعرض لذلك مع"خالدين"ولا فرق بَيْنَهُما ، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين ، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.