فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 12199

ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول: العبد إنما يصبر راضيًا بقضاء الله تعالى بطريقتين: إما بطريق التصرف ، أو بطريق الجذب ، أما طريق التصرف فمن وجوه.

أحدها: أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم ـ عليه السلام ـ لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة ، فبقي آدم مع ذكر الله ، ولما استأنس يعقوب بيوسف - عليهما السلام - أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق ، ولما طمع محمد ـ عليه السلام ـ من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى قال:"ما أوذي نبي مثل ما أوذيت"وثانيها: أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى.

وثالثها: أن العبد متى توقع من جانب شيئًا أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيرًا من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله.

وأما طريق الجذب فهو كما قال ـ عليه السلام ـ:"جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين"ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوبًا لأن الحق غالب لا مغلوب ، وصفة الرب الربوبية ، وصفة العبد العبودية ، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد ، وصفة الحق حقيقة ، وصفة العبد مجاز ، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد ، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به ، والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه مقبلًا عليه ومشتغلًا به وغافلًا عن غيره ، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه ، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضيًا بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 140}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت