فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 12199

وفى كتاب الأَدب للبخارىّ: سئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإِيمان فقال:"الصّبر والسّماحة". وهذا من أَجمع الكلام ، وأَعظمه برهانًا ، وأَوعاه لمقامات الإِيمان من أَوّلها إِلى آخرها ؛ فإِن النَّفس يراد منها شيئان: بذل ما أُمِرَت به وإِعطاؤه ، فالحامل عليه السّماحة ؛ وتركُ ما نُهيَتْ عنه والبعد عنه ، فاحامل عليه الصّبر. وقد أضمر الله سبحانه في كتابه بالصّبر الجميل الذى لا شكو معه ، والصّفح الجميل الَّذى لا عِتاب معه ، والهجرِ الجميل الذى لا أَذى معه.

وقال ابن عُيَيْنَة في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} : أَخذوا برأْس الأَمر فجعلهم رُءُوسًا.

واعلم أَنَّ الشكوى إِلى الله عزَّ وجلّ لا تُنافى الصّبر ؛ فإِنَّ يعقوب - ـ عليه السلام ـ وَعَد بالصّبر الجميل ، والنبىّ إِذا وَعَدَ لا يُخلف ، ثمّ قال: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، وكذلك أَيّوب عليه السّلام أَخبر الله عنه أَنه وجده صابرًا مع قوله: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، وإِنَّمَا ينافى الصبر شكوى الله لا الشكوى إِلى الله ؛ كما رأَى بعضهم رجلًا يشكو إِلى آخر فاقةً وضرورة ، فقال: يا هذا ، تشكو من يَرْحَمُكَ إِلى مَنْ لا يرحمك! ثمّ أَنشده:

وإِذا اعْتَرَتْكَ بليّةٌ فاصبِر لها صَبْرَ الكريمِ فإِنَّه بك أَرحمُ

وإِذا شكوتَ إِلى ابن آدم إِنّما تشكو الرّحيم إِلى الَّذى لا يرحم

وقال الشيخ عبد الله الأَنصارىّ: الصّبر حبس النفْس على المكروه ، وعقل اللِّسان عن الشكوى.

وهو على ثلاث درجات:

الأُولى: الصّبر عن المعصية بمطالعة الوعيد. وأَحسن منها الصّبر عن المعصية حياءً.

الثانية: الصّبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوامًا ، وبرعايتها إِخلاَصًا ، وبتحسينها عِلمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت