وقال بعض المشايخ: كان صبر يوسف عن طاعة امرأَة العزيز أَكمل من صبره على إِلقاءِ إِخْوته إِيّاه في الجُبّ ، وبيعهم [إِيّاه] ، وتفريقهم بينه وبين أَبيه ، فإِنَّ هذه أُمور جرَت عليه بغير اختياره ، لا كسب له فيها ، ليس للعبد فيها حيلة غير الصّبر. وأَمّا صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا ، ومحاربةٌ للنَّفس ، ولا سيّما مع أَسبابٍ تقوّى معها داعية الموافقة ؛ فإِنّه كان شابًّا ، وداعية الشابّ إِليها قوَّته ؛ وكان عَزَبًا ليس له ما يعوّضه ويَرُدّ شهوته ؛ وغريبًا ، والغريب لا يستحى في بلدِ غُربته ممّا يستحى منه بين أَصحابه وأَهلِه ؛ ويحسبونه مملوكًا ، والمملوك ليس وازعهُ كوازع الحرّ ؛ والمرأَة جميلة وذات مَنْصِب ، وقد غاب الرّقيب ، وهى الدّاعية له إِلى نفسها ، والحريصة على ذلك أَشدّ الحرص ، ومع ذلك توعّدته بالسجن إِن لم يفعل. فمع هذه الدّواعى كلّها صبر اختيارًا ، وإِيثارًا لما عند الله. وأَين هذا من صبره في الجُبّ على ما ليس من كسبه ؟!
والصّبر على أَداءِ الطَّاعات أَكمل من الصّبر على اجْتِنَاب المحرّمات ؛ فإِنَّ مصلحة فعل الطَّاعة أَحَبُّ إِلى الشَّارع من مصلحة ترك المعصية ، ومفسدة عدم الطاعة أَبغض وأَكره من مفسدة وجود المعصية.
ثمّ الصّبر ينقسم بنوع آخر من القسمة على ثلاثة أَنواع: صبر بالله ، وصبر لله ، وصبر مع الله.
فالأَوّل: الاستعانة به ، ورؤية أَنَّه هو المصبِّر ، وأَنَّ صبر العبد بربّه لا بنفسه ، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} ، يعنى إِنْ لم يُصَبِّرك هو لم تصبر.
والثَّانى: أَن يكون الباعث على الصّبر محبّة الله وإِرادة وجهه ، والتقرّب إِليه ، لا إِظهار قوّة النفْس ، والاستحماد إِلى الخلق ، وغير ذلك من الأَغراض.