و"استفعل"- هنا - ليست للطلب ، بل تكون بمعنى المجرد ، نحو: استغنى الله - بمعنى: غَنِيَ ، وقد سُمِع بَشِر الرجل - بكسر العين - فيكون استبشر بمعناه ، قاله ابنُ عطية. ويجوز أن يكون مطاوع أبشَرَ ، نحو: أكانَهُ فاستكان ، وأراحه فاستراح ، وأشلاه فاستشلى ، وأحكمَه فاستحكم - وهو كثيرٌ - وجعله أبو حيّان أظهر ؛ من حيث إن المطاوعَة تدل على الاستفعال عن الغيرِ ، فحصلت لهم البُشرى بإبشار الله تعالى ، وهذا لا يلزم إذَا كان بمعنى المجردِ.
قوله: { مِّنْ خَلْفِهِمْ } في هذا الجارّ وجهان:
أحدهما: أنه متعلق بـ"لم يلحقوا"على معنى أنهم قد بَقُوا بَعْدَهم ، وهم قد تقدموهم.
الثاني: أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حال من فعل"لم يلحقوا"على معنى أنهم قد بَقُوا بَعْدَهم ، وهم قد تقدموهم.
الثاني: أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حال من فاعل"يلحقوا بهم"، أي: لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلِّفين عنهم - أي: في الحياة.
قوله: { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيه وجهان:
أحدهما: أن"أن"وما في حيِّزِها في محل جَرّ ، بدلاً من"بالذين"بدل اشتمال ، أي: يستبشرون بعد خوفهم وحُزْنهم ، فهو المستبشَر به في الحقيقة ، لأن الذواتَ لا يُسْتَبْشَرُ بها.
الثاني: أنها في محل نَصْبٍ ؛ على أنها مفعول من أجله ، أي: لأنهم لا خوف عليهم.
و"أن"- هذه - هي المخفَّفة ، واسمها ضمير الشأن ، وجملة النفي بعدها في محل الخبر.
فإن قيل: الذوات لا يُسْتبشر بها - كما تقدم - فكيف قال: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ } .
فالجوابُ أن ذلك على حَذْفِ مُضَافٍ مناسبٍ ، تقديره: ويَسْتبشرون بسلامةِ الذين ، أو لحوقهم بهم في الدرجة.