فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 12199

وقال العلامة ابن عاشور:

تشبيهن للعلتين من قوله: {لأتم} [البقرة: 150] وقوله: {ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] أي ذلك من نعمتي عليكم كنعمة إرسال محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل الإرسال مشبهًا به لأنه أسبق وأظهر تحقيقًا للمشبه أي إن المبادىء دلت على الغايات وهذا كقوله في الحديث"كما صليت على إبراهيم"ونكر (رسول) للتعظيم ولتجري عليه الصفات التي كل واحدة منها نعمة خاصة ، فالخطاب في قوله: {فيكم} وما بعده للمؤمنين من المهاجرين والأنصار تذكيرًا لهم بنعمة الله عليهم بأن بعث إليهم رسولًا بين ظهرانيهم ومن قومهم لأن ذلك أقوى تيسيرًا لهدايتهم ، وهذا على نحو دعوة إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم} [البقرة: 129] وقد امتن الله على عموم المؤمنين من العرب وغيرهم بقوله: {لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم} [آل عمران: 164] أي جنسهم الإنساني لأن ذلك آنس لهم مما لو كان رسولهم من الملائكة قال تعالى: ولذلك علق بفعل {أرسلنا} حرفُ {فِي} ولم يعلَّق به حرف {إلى} كما في قوله: {إنا أرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا عليكم} [المزمل: 15] ، لأن ذلك مقام احتجاج وهذا مقام امتنان فناسب أن يذكر ما به تمام المنة وهي أن جعل رسولهم فيهم ومنهم ، أي هو موجود في قومهم وهو عربي مثلهم ، والمسلمون يومئذٍ هم العرب أي الذين يتكلمون باللغة العربية فالأمة العربية يومئذٍ تتكلم بلسان واحد سواء في ذلك العدنانيون والقحطانيون ومن تبعهم من الأحلاف والموالي مثل سلمانَ الفارسي وبلال الحبشي وعبدِ الله بن سَلاَم الإسرائيلي ، إذ نعمة الرسالة في الإبلاغ والإفهام ، فالرسول يكلمهم بلسانهم فيفهمون جميع مقاصده ، ويدركون إعجاز القرآن ، ويفوزون بمزية نقل هذا الدين إلى الأمم ، وهذه المزية ينالها كل من تعلَّم اللسان العربي كغالب الأمم الإسلامية ، وبذلك كان تبليغ الإسلام بواسطة أمة كاملة فيكون نقله متواترًا ، ويسهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت