الثالث: قول أبي مسلم الأصفهاني ، وهو أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا كما أرسلنا فيكم رسولًا ، أي كما أرسلنا فيكم رسولًا من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك جعلناكم أمة وسطًا ، وأما إن قلنا: أنّه متعلق بما بعده ، فالتقدير: كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتابًا ، ولا تعلمون رسولًا ، ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال: كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلًا ، فاذكروني بالشكر عليها ، أذكركم برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى:
{لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل: {كما} هل يجوز أن يكون جوابًا ؟ قلنا: جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين.
أحدهما: {كَمَا} .
والثاني: {أَذْكُرْكُمْ} ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي: والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى.
المسألة الثانية: في وجه التشبيه قولان: إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: {اذكروني} دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة.